صبري القباني

5

الغذاء . . . لا الدواء

مقدمة لقد خلق اللّه الإنسان في أحسن تقويم . . وهيأ ما يكفل له البقاء والاستمرار إلى أبد الآبدين . وبنظرة متأملة واحدة إلى الجسم الإنساني ، يقف الناظر مذهولا أمام النظام العجيب الذي خلقه اللّه فأحسن خلقه ، حين جعل منه الحصن والهدف ، وجيش الهجوم وجيش الدفاع ، ومعامل التقطير ومعامل التكرير ، ومعامل التوليد التي تعطي الجسم ما هو بحاجة إليه من أسباب الصحة والقوة بما يحيط به من أسباب الحركة والغذاء في الأرض والهواء والماء . لقد وجدت الأمراض والأدواء التي تصيب الإنسان منذ أن وجد الإنسان نفسه ، وبالمقابل جهز البشر بعناصر دفاعية هائلة ما زال العلماء يحارون في استجلاء كنهها وكشف غوامضها واصطناع ما يشابهها ، فلقد وضع الله الداء ووضع له الشفاء ، بل قبله - الدواء - ، فالمناعة والقدرة على المقاومة ، هما بعض ما تزود به الجسم في معركته الدائمة مع المرض ، وهكذا تحقق « التعادل » في هذا الموضوع ، مثلما تحقق في كل ما نراه من مظاهر الحياة ومعالمها . فعند ما تدخل الجراثيم المسببة للأمراض إلى الجسم ، تسارع الكريات البيض - التي تقوم مقام الجيش وحماة الجسم - بمهاجمتها وإحاطتها وعزلها ومنعها من التقدم والانتشار ، بإفرازها مواد مضادة سريعة ، تضعف من فعل السموم ، وتحول دون تفاقم الأذى ، وتمنع ما يضر بالجسم من أن يحقق غاياته الشريرة فيه . وعلى هذا الأساس الرائع ، من إمكانيات الدفاع التلقائية ، استطاع العلم أن يحقق واحدة من أعظم مفاخره ، ونعني بها « اللقاحات » التي كفت البشرية شرور كثير من الأوبئة الفتاكة ، فاللقاحات ترتكز على نفس المبدأ الذي يقوم عليه نظام الدفاع عن الجسم